ابن عجيبة
495
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وفي الآية دليل على جواز الدعاء على الظالم بالمعصية ، أو الكفر ، وقد فعله سعد بن أبي وقاص على الذي شهد فيه بالباطل ، ووجه جوازه مع استلزامه وقوع المعاصي : أنه لم يعتبر من حيث تأديته إلى المعاصي ، ولكن من حيث تأديته إلى نكاية الظالم وعقوبته ، وهذا كما قيل في تمنى الشهادة أنه مشروع ، وإن كان يؤدى إلى قتل الكافر للمسلم ، وهو معصية ووهن في الدين ، ولكن الغرض من تمنى الشهادة ثوابها ، لا نفسها . قالَ تعالى : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما يعنى موسى وهارون ، وكان يؤمّن على دعاء أخيه ، فَاسْتَقِيما أي : اثبتا على ما أنتما عليه من الاستقامة والدعوة وإلزام الحجة ، ولا تستعجلا ، فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته ، روى أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة ، وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ : طريق الجهلة في استعجال الأشياء قبل وقتها ، أو في عدم الوثوق والاطمئنان بوعدنا ، وقرأ ابن ذكوان : « ولا تتبعان » بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين ، وهو قليل ، قال ابن مالك : ولم تقع خفيفة بعد الألف « 1 » . ويحتمل أن تكون نون الرفع ، و « لا » نافية ، أي : والأمر لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون . الإشارة : دعاء الأولياء على الظالم مشروع بعد الإذن الإلهامى على ما يفهمونه ، وقد مكث الشيخ أبو الحسن سنين لم يدع على ابن البراء « 2 » ؛ حتى كان سنة في عرفة ، فقال : الآن أذن لي في الدعاء على ابن البراء . . . . إلخ . فإن لم يكن إذن فالصبر أولى ، بل الأولى الدعاء له بالهداية ، حتى يأخذ اللّه بيده ؛ وهذا مقام الصديقين ، فإذا وقع الدعاء مطلقا وتأخرت الإجابة فلا يستعجل ، فيكون تبع سبيل الذين لا يعلمون ، وفي الحكم : « لا يكن تأخّر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك ، فقد ضمن لك الإجابة فيما يختار لك لا فيما تختار أنت لنفسك ، وفي الوقت الذي يريد ، لا في الوقت الذي تريد » ، وقال أيضا : « لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه ؛ لئلا يكون ذلك قدحا في بصيرتك ، وإخمادا لنور سريرتك » . وبالله التوفيق . ثم أجاب دعاءهما ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 90 إلى 92 ] وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 91 ) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ( 92 )
--> ( 1 ) عجز البيت : لكن شديدة وكسرها ألف . ( 2 ) هو أبو القاسم ابن البراء ، قاضى تونس عند دخول الشيخ الشاذلي إليها . وقد رأى ابن البراء إقبال الناس على الشاذلي ، فسعى في الكيد له واتهامه عند السلطان بالعمل على قلب نظام الحكم . ولكن اللّه نجاه من كل هذه المكائد .